فصل: مسألة يعطي الرجل من قرابته نصف عبده في مرض المعطى على أن يعتقه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الذي يمثل بامرأته:

قال سحنون: كان مالك يقول في الذي يمثل بامرأته: إنها تطلق عليه، بمنزلة بيعه لها، لأنه ليس بمأمون على غيرها.
قال محمد بن رشد: قول مالك في الذي يمثل بامرأته إنها تطلق عليه يريد طلقة بائنة، كذلك روى زياد بن جعفر عنه في المدنية، وقال ابن القاسم فيها: ما سمعت بهذا قط، وأرى أن لا يفرق بينهما ويكون بينهما القصاص والقود، إلا أن يرى السلطان للتفرقة بينهما وجها، قال عيسى مثل أن يخافه عليها، والذي أقول به في هذا أنه ليس باختلاف من القول، وإنما معناه أنه لا يفرق بينهما بالمثلة إلا أن تطلب هي الفرقة وتدعي أنها تخافه على نفسها فيفرق بينهما بطلقة بائنة.
وأما بيعه لها فقول مالك إنما تطلق عليه يريد أيضا بطلقة واحدة بائنة على ما في سماع عيسى من كتاب الحدود وفي كتاب الاستبراء من كتاب أسن، على ما وقع في سماع عبد المالك من كتاب طلاق السنة، وهو قول ابن نافع فيه: إنها طلقة بائنة، وقد روى محمد بن عبد الحكم عن مالك أنها تطلق عليه بالبتة. قال محمد: وأنا أقول: لا يقع عليه طلاق، ويؤدب على فعله، وترد إليه زوجته، وهو قول ابن وهب في سماع عبد الملك من كتاب طلاق السنة ومثله ما في أول سماع ابن القاسم منه في الذي يزوج امرأته، إذ لا فرق في المعنى بين أن يزوجها أو يبيعها، وفي المجموعة أنها تحرم عليه بالبتات إذا زوجها بنى بها الزوج أو لم يبن بها، فهي ثلاثة أقوال أظهرها أنها طلقة واحدة بائنة، وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى لأمة له وهو مريض:

ومن كتاب المكاتب:
قال: وسألته: عن رجل أوصى لأمة له وهو مريض، فقال إن مت قبل سبعة أشهر أو نحو ذلك ففلانة حرة إلا أن تحدث حدثا من زنا يعرف، فمات قبل السبعة وولدت الجارية بعد موته قبل ستة أشهر فسئلت ممن هذا الولد؟ فقالت: من فاحشة، ثم ادعت بعد أنه من سيدها وأتت بشهيدي عدل يشهدان أنه كان مقرا بوطئها، قال يلحق به الولد وتلحق الأمة بالأحرار من رأس المال، ولا يضرها إقرارها الذي أقرت به أن ولدها من فاحشة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة، وقد تكلم عليها ابن دحون بكلام صحيح، فقال: ولو لم ترجع عن إقرارها بالزنا للحق الولد بالسيد وحدت وكانت حرة لأن إقرارها بالزنا لا ينفي الولد عن والده وهو يشهد عليه بإقراره بالوطء، وإقرارها أيضا لا يوجب ملكها لأن إلحاق الولد بالأب يوجب أنها أم ولد، فهي حرة وإن حدت على إقرارها بالزنا، ولا تحد حتى تتمادى على الإقرار، ولا يجوز لها استرقاق نفسها، ولا معنى لقوله قبل ستة أشهر إذا أتت به لما يلحق به الأنساب وثبت إقراره بالوطء لحق به وإن ادعت أنه من زنا حدث ولم يضر ذلك الولد وهي حرة، والله الموفق.

.مسألة تحلف بالحرية لتفعلن كذا فتريد ترك ذلك:

قال: وسألته: عن المرأة تحلف بالحرية لتفعلن كذا، فتريد ترك ذلك لتحنث نفسها، فينكر ذلك زوجها عليها ويرد يمينها.
قال: حالها في الحنث الواقع عليها والذي تحنث به نفسها وابتداء عتاقتها سواء ما رد الزوج فهو مردود إذا جاوزت قيمة رقيقها ثلث مالها.
قلت: أرأيت ما يحنثها به الزوج مما لو شاء تركها فيه على بر؟ مثل أن تقول رقيقي أحرار إن وطئتني الليلة وأياما تذكرها، أو تقول رقيقي أحرار إن ضربت أمتي هذه الليلة أو نحو ذلك مما يخاف به تعدي زوجها عليها أو على رقيقها أو تكون هي المتعدية في يمينها مثل أن تقول إن وطئتني أبدا أو ضربتني أبدا وقد وجب عليها الأدب مرارا لما ارتكبت.
قال محمد بن رشد: أما يمينها على نفسها بعتق رقيقها وهم أكثر من ثلث مالها ألا تفعل شيئا أو أن تفعله إلى أجل تسميه فلزوجها أن يرد يمينها قبل أن تحنث أو بعد أن تحنث فإن رد يمينها قبل أن تحنث، اكْتَفَى بذلك ولم يكن عليه أن يرد فعلها بعد الحنث، وإن سكت على يمينها ولم ينكره كان له أن يرده إذا حنث ولم يضره سكوته على يمينها، قاله في الرسم الذي بعد هذا.
وأما إذا حلفت عليه فحنثها هو فسكت في الرواية عن الجواب على ذلك، وقال ابن دحون فيها قياسها أنه إن حنثها كان له رد يمينها ورفع العتق عنها، وإن كان هو حنثها لأنه قد كان له أن يرد يمينها قبل أن يحنثها فلا يلزمها حنث بعد رده ليمينها، وليس قوله في ذلك بصحيح، والذي يوجبه النظر في ذلك أنه إن حنثها فيما له أن يحنثها فيه مما تكون متعدية عليه في اليمين به مثل أن تحلف بعتق رقيقها أن لا يطأها أو ألا يكلم فلانا أو ألا يضرب عبده في شيء استوجب الأدب عليه فله أن يحنثها ويرد يمينها بالعتق فلا يعتقون عليها، وأما إن حنث فيما ليس له أن يحنثها فيه مما لا تكون متعدية عليه في اليمين به مثل أن تحلف بحرية رقيقها أن لا يضرب أمتها أو ألا يضربها إذ لم تصنع شيئا استوجب عليه الضرب فتعدى وضربها أو ضرب أمتها فإنها تحنث ويلزمها العتق ولا يكون له أن يرده لأنه مختار لتحنيثها في غير شيء يجب له، وإلى هذا نحا ابن أبي زيد، فإنه قال في النوادر عقب هذه المسألة: لم يذكر لها جوابا، ويتبين لي في الوطء أن له رد العتق إن وطئها، وأما ضرب الأمة فلا رد له، فمعنى قوله في الوطء الذي يكون في الحلف عليه متعدية عليه، وأما لو حلف أن لا يطأها هذه الليلة لعذر لها في ذلك من مرض أو نحوه فحنثها ووطئها لم يكن له أن يرد العتق، ومعنى قوله في ضرب الأمة الضرب الذي يكون متعديا فيه على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.

.مسألة يحلف بعتق عبد له سماه فيكاتبه أو يدبره أو يوصي له:

وسألته على الرجل يحلف بعتق عبد له سماه فيكاتبه أو يدبره أو يوصي له بعتقه إلى أجل.
فقال: أما الوصية له بالعتاقة وتدبيره في الصحة والمرض فلا يوجب عليه حنثا، لأنه يرجع في الوصية إن شاء فيبطل ما جعل له فيها، والتدبير لا يعتق العبد فيه إلا بعد الموت والدين يلحقه أحيانا فيبطل تدبيره فلا أرى التدبير يوجب عليه حنثا، قال: وأما إن كاتبه فإنه ينتظر به أداؤه وعجزه فإن أدى ما عليه عتق بالكتابة وحنث سيده في سائر رقيقه، وإن عجز فرق فلا حنث عليه.
قلت: ولم لا نراه حانثا إذا دبره إن سلم من البيع في دين يكون على سيده إذا وسعه ثلث ماله وكان مال سيده مأمونا حتى لا يشك أن الحرية وجبت له ساعة مات سيده، أما ترى حينئذ أن الحنث وقع على سيده في الرقيق بموته لأنه قد كان عقد له عقدا في الصحة لا يستطيع الرجوع فيه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر، ولا فرق في القياس والنظر بين الكتابة وبين التدبير والوصية إلا في كون حنثه في التدبير والوصية بعد الموت، فالقياس على قوله في الكتابة أن ينظر إذا مات في العبد الذي أوصى بعتقه أو دبره، وقد كان حلف ألا يعتقه فعتق عبدا له آخر فإن خرج من الثلث وقد بقيت منه بقية أعتقت فيما بقي منه العبد الذي حلف بعتقه أن لا يعتق هذا العبد الذي أوصى بعتقه أو دبره فيه، لأن حنثه فيه بعتقه إنما يحصل بعد الموت، فوجب أن يكون من الثلث، واعتراضه عليه بقوله.
قلت: ولم لا تراه حانثا إذا دبره إن سلم من البيع إلى آخر قوله اعتراض صحيح لازم له، ولذلك سكت عن الجواب، وبالله التوفيق.

.مسألة العبد الذي سماه أحدهما حر:

قال: وسألته: عن الأخوين يرثان العبد فيشهد أحدهما أن أباه أعتقه في وصيته منهم عبد أو نصه باسمه ويشهد أخوه أن أباه أوصى بعتق عبد من عبيده نصه الأب فأنسيت اسمه، فما أدري أي عبد هو.
قال: أما العبد الذي نصه أحد الأخوين فهو حر إن وسعه الثلث لأن أحدهما قطع له الشهادة وشكك الآخر فيه نفسه فلا ينبغي لواحد منهما أن يسترقه ولا شيئا منه.
قلت: أفيحكم عليهما بذلك حكما لازما لهما؟ فقال: لا، ولكني آمرهما بذلك وأورعهما عن استرقاقه، لأن الشهادة لم تتم للعبد إذ لم يشهد له إلا واحد.
قلت: ثم يصنعان ببقية العبيد ماذا؟ فقال: يقتسمانهم فما صار للذي أبت فيها الشهادة حل له استرقاقهم، وما صار للشك في وصية أبيه أمرناه أن يحتاط على نفسه بالبراءة من جميعهم، ولا يسترق منهم أحدا، وذلك أنه لا يدري أيهم أعتق لأنه لو ثبتت الشهادة كان المشهود له عتيقا كله إن كان يسعه ثلث مال الموصي.
قلت: فإن كانا عبدين كيف الأمر فيهما ولا مال للميت غيرهما؟
فقال: أرى لهما أن يعتقا من الذي بت أحد الأخوين له الشهادة مبلغ ثلث مال الميت، فإن كان ذلك قدر قيمة ثلثي العبد فذلك له.
ويرق لهما ثلثه، سدس لكل واحد، ثم يقتسمان الباقي، فيطيب للقاطع الشهادة نصفه بما انقطع عنه من الشك في عمله، ويقال للشاك: احتط على نفسك، فإنا لا ندري لعل الوصية كانت إلى هذا؟ فانظر إلى مبلغ ثلث الميت من قيمة العبد فَابْرَأْ مما كان ينوبك من ذلك، فإن كان مبلغ الثلث قدر ثلثي العبد فقد كان يعتق منه ذلك ويرق ثلثه لو ثبت أن الوصية كانت له، فلا يبقى بيد الشاك إلا سدسه، وهو نصف ما كان يبقى بعد إنفاذ الوصية منه، فيعتق ثلثه ويرق للشاك سدسه، ويطيب للمستيقن نصفه، فعلى هذا الحساب يحمل ما أشبه هذا من أمور أهل الشك في الوصايا من الورثة احتياطا عليهم ونظرا لهم، ولا يلزمون ذلك حكما عليهم، ولكن يؤمرون به احتياطا لهم.
قال محمد بن رشد: قوله في الأخوين اللذين شهد أحدهما على أبيه أنه أوصى بعتق عبد من عبيده سماه والثلث يحمله، وقال الآخر: لا أدري هل هو هذا العبد أو غيره من عبيده لأني نسيته: إن العبد الذي سماه أحدهما حر لأن الواحد قطع له الشهادة، والآخر شك فيه، إلا أنه لا يحكم بذلك عليهما ويورعا عن استرقاقه لا يصح عندي على أصولهم، لأن أحدهما يقطع بوجوب حريته، والآخر يقول لا أدري هل هو هذا العبد أو غيره من العبيد، فالواجب أن يقال للشاك في أي عبد هو الذي أوصى أبوه بعتقه: أنت لا تشك في أن الحرية واجبة لأحدهم فإما أن تحتاط لنفسك فتعتق حظك من كل واحد منهم لاحتمال أن يكون هو الموصى له بالعتق، وإما أن يتقلد أن الوصية كانت لفلان منهم، وإما أعتقنا عليك حظك من كل واحد منهم إذ لا نمكنك من أن تملك حظك من جميعهم وأنت مقر لأحدهم بالحرية، فإن أعتق حظه من العبد الذي سماه أخوه حكم بحرية جميعهم، وكذلك إن أبى أن يعتق حظه من كل واحد منهم لحكم بحرية جميع العبد الذي سمى أخوه، لأنه إذا أعتق حظ أخيه منه بأحد الوجهين وجب عتق جميعه، لأنه مقر أن نصيبه حر بالوصية، وإما أن يتقلد الشاك أن الوصية كانت لغير الذي سمى أخوه فأعتق نصيبه منه، فلا يعتق على الذي سمى العبد نصيبه منه، للضرر الداخل في ذلك على أخيه وإنما يؤمر أن يجعل ثمنه في عتق أن يبيع العبد كله أو وجد لحظه منه ثمنا على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وعلى ما مضى في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى وفي غير ما موضع من هذا الكتاب إلا أن يملك العبد كله أو يملك شيئا زائدا منه إلى نصيبه فيه فيعتق عليه جميع ما ملك منه، فإذا أعتق العبد الذي سماه أحدهما بالوصية فقوله في بقية العبيد إنهما يقتسمانهم فما صار للذي أبت فيه الشهادة حل له استرقاقهم إلى آخر قوله في المسألة فهو صحيح بين وهذا الاعتراض الذي ذكرناه في هذه المسألة يدخل في المسألة الأخرى، إذا كانا عبدين ولم يكن للميت مال غيرهما، فتدبر ذلك تجده صحيحا، وقد ذكرها ابن المواز عن ابن القاسم على نحو ما وقعت هاهنا، فقال: إنه يعتق ثلثا العبد إن لم يدع غيرهما وقيمتهما سواء، ولا يعتق من الآخر شيء، ويقال للشاك: اجعل نصيبك من ثمن الآخر يريد إن بيع في رقبة يعتقها.
قال محمد: وإنما أعتق ابن القاسم ثلثي المعتق حين لم ينكر الأخ قول أخيه فيه وأمر الشاك أن يجعل ما يأخذ من ثمن الآخر في رقبة لشكه، قال في كتاب آخر عن أشهب مثل ما ذكرها هنا إلا أنه قال يتقاومان الباقي، فإن صار للذي نص العبد الآخر لم يعتق عليه من هذا شيء، وإن صار للشاك لم يأمره أن يملك نصيبه، إذ قد يكون فيه العتق ويقضى بذلك عليه وثلثه رقيق ما لم يرجع قبل أن يقضي عليه فيقول ذكره أنه الذي قال أخي.
وقول أشهب إنهما يتقاوماه معناه إن أراد ذلك، إذ لا يجبر على المقاومة من أباها من الشريكين.
وأما قوله إنه يقضي عليه بعتق حظه من العبد إن صار له في المقاومة ما لم يرجع قبل أن يقضي عليه بذلك فهو خلاف مذهب ابن القاسم في أنه لا يقضي عليه بالعتق في الشك، وبالله التوفيق.

.مسألة ما أعتقت المرأة من عبيدها إذا فرقت العتاقة في أزمان شتى:

قال: وسألته: عن امرأة ليس لها مال إلا ثلاثة أرؤس فأعتقت اليوم رأسا، ثم بعد زمان رأسا، ثم بعد ذلك أيضا الثالث، والقيم مختلفة.
فقال: ينظر إلى قيمة الأول، فإن كان قدر ثلث جميع قيمتهم فأدنى فعتاقته جائزة، ثم انظر إلى ما بين عتاقته وعتاقة الثاني فإن كان زمانا قريبا يعرف بقربه أنها مضرة في عتقها الثاني فالعتاقة الثانية مردودة، وإن تباعد ما بين ذلك جدا حتى لا يتهم في الضرر نظرت إلى قيمة الثاني فإن كانت ثلث جميع قيمته وقيمة الثالث فأدنى، أجزت عتاقته أيضا، وأما الثالث فلا عتاقة له على حال من الأحوال، لأنها أعتقته ولا مال لها غيره.
قال: وإن كانت قيمة الأول أكثر من ثلث جميع قيم الثلاثة الأرؤس لم يجز عتقه، ثم إن كانت قيمة الثاني أكثر من ثلث جميع قيم الثلاثة لم يجر عتقه أيضا، وإن كانت قيمة الثاني بعد أن تبطل عتاقة الأول أقل من ثلث جميع قيم الثلاثة أو الثلث فقط جازت عتاقته، فعلى هذا النحو يكون ما أعتقت المرأة من عبيدها إذا فرقت العتاقة في أزمان شتى.
قال محمد بن رشد: لم يجز في هذه الرواية القرب الذي يجوز فيه الأول إن كان الثلث فأقل، ويبطل الثاني من البعد الذي يعتق فيه الأول إن كان الثلث فأقل والثاني إن كان ثلث قيمته وقيمة الثلث، فأقل، والقرب في ذلك اليوم واليومان على ما قاله في رسم حمل صبيا من سماع عيسى إلى الشهر والشهرين على ما قاله ابن حبيب في الواضحة وحكاه عن أصبغ، لأن ذلك يحمل على التفسير لقول ابن القاسم، وقال ابن حبيب إذا لم يكن بين ذلك إلا اليوم واليومان ونحوهما فهو بمنزلة إذا كان في فور واحد يريد الأول وإن كان أقل من الثلث إذا كان مع الثاني أكثر من الثلث، وأما البعد فهو الستة أشهر فأكثر على ما حكاه ابن حبيب، وقد قيل: العام لأنه حد في غير ما مسألة، وقد قيل: إنها إذا تصدقت بثلث مالها فلا ينفذ لها عطية في باقيه قرب ذلك أو بعد، وقد مضى الكلام على هذه المسألة مستوفى في رسم الكبش من سماع يحيى من كتاب الصدقات والهبات، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول أول عبد أبتاعه فهو حر:

ومن كتاب أوله أول عبد ابتاعه فهو حر:
قال يحيى: وسألت عبد الرحمن بن القاسم عن الرجل يقول أول عبد أبتاعه، فهو حر، فيبتاع رقيقا في صفقة واحدة، أيكون حانثا في جميعهم؟
فقال: نعم، وإنما مثل ذلك عندي الرجل يقول أول عبد أبتاعه فهو حر فيبتاع شقصا من عبد أنه يقوم عليه ما بقي من العبد فإذا ابتاع عبيدا في صفقة واحدة كان الحنث عليهم في جميعهم أوجب.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن حبيب عن ابن الماجشون في الميراث أنهم يعتقون عليه جميعا، وإذا قاله في الميراث الذي لم يدخله على نفسه فأحرى أن يقوله في الشراء الذي أدخله على نفسه، وقد قيل إنه يعتق أحدهم بالسهم، وقيل يختار واحدا فيعتقه، والقولان لابن القاسم في أول سماع سحنون في الذي يقول من يشري بكذا فهو حر، فيأتيه ثلاثة من عبيده في مرة، إذ لا فرق بين المسألتين على ما نذكره هناك من أحد التأويلين إن شاء الله تعالى.
وجه القول بأنهم يعتقون جميعا هو أنهم لما ملكهم معا ولم يتقدم أحدهم في الملك على صاحبه كان كل واحد منهم في حكم المتقدم إذ قد علم أنه ذلم يتقدم سواه منهم عليه، وهو في الشراء أيضا لما اشتراهم معا فقد قصد إلى عتق جميعهم.
ووجه القول بأنه يختار واحدا منهم فيعتقه هو أنه لم يعتق إلا عبدا واحدا فلا يلزمه أكثر مما ألزمه نفسه ولما كان كل واحد منهم في حكم الأول وهو لم يعتق إلا واحدا كان له أن يختار من شاء منهم.
وأما القول بالقرعة فوجهه أنه لما لم يكن لواحد منهم مزية في العتق على صاحبه كانت القرعة وجه العدل فيما بينهم، وله أن يقرع بينهم إن شاء على القول بأنه يختار واحدا منهم وليس له أن يختار على القول بأنه يقرع بينهم، وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى عبدا فاستحق من يده:

قال: وسألته: عن الرجل يقول للرجل أعتق غلامك فلانا ولك مائة دينار فيأخذها ويعتق غلامه ذلك، ثم يأتي رجل يستحق ذلك الغلام عبدا، أو يستحق ذلك العبد بحرية بعد من أصله.
قال: إذا استحق عبدا رجع صاحب المائة على المعتق بها فأغرمه إياها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو ما لا إشكال فيه، لأنه قد انكشف أنه أخذ مال الرجل باطلا إذا أعتق بأخذه إياه ما لا يجوز له عتقه، إما لأنه حر من أصله وإما لأنه ملك لغيره، وذلك كمن اشترى عبدا فاستحق من يده فله أن يرجع بالثمن على بائعه منه، وبالله التوفيق.

.مسألة تكون ابنته أمة فيريد سيدها بيعها:

وسألته: عن الرجل تكون ابنته أمة فيريد سيدها بيعها فلما خاف أبوها تغربها عن بلده أتى رجلا، فقال له: اشتر ابنتي وأنا أعينك في ثمنها بمائة دينار، فيشتريها بالثمن الكثير ويستعين بالمائة أو عسى أن لا يشتريها إلا بتلك المائة أو نحوها أيجوز لمشتريها أخذ المائة من أب الأمة؟ وكيف إن أخذها بشرط أن يحبسها أو يتخذها أو بغير شرط؟
قال: أما إذا أعانه بالمائة على شرط الحبس أو الاتخاذ فإن فرجها يحرم عليه بذلك، ويلزمه رد المائة دينار، لأنه أعطاها إياه على ما لا يحل له، فإن أعطاها على غير شرط ولا عدة يفسد عليه مسيسها فلا بأس أن يأخذها منه، فإذا كان ذلك من الأب على وجه العون للمشتري والصلة له لما رأى من ضعفه عن اشترائها فهو له ولا يلزمه ردها.
قلت له: فإن عجل بيعها، فقال الأب: إنما أعينك بالمائة لما رجوت من حبسك إياها قال ينظر في أمره:
فإن كان يرى أنه إنما يعين مثله مثل المشتري لهذا الوجه فهو كالشرط يرد المائة على الأب ويجتنب المسيس حتى يردها، وإن كان مثل الأب إنما يعين مثل المشتري على وجه الصلة والمعروف حلت له أمته، وحل له حبس المائة وباع إذا شاء وحبس.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة تبين ما وقع في المدونة من قوله في الرجل يعطي الرجل المال يشتري به ابنه أو ابنته يعينه به فيفعل الرجل! إنه لا يعتق المشتري منها على واحد منهما، وهما رقيق للمشتري.
وقوله في الرواية إذا عجل بيعها إنه ينظر فيما قال الأب من أنه إنما أعانه بالمائة لما رجاه من حبسها، فإن تبين إنما أعانه بالمائة لهذا الوجه كان ذلك كالشرط ولزمه رد المائة، وإن تبين أنه إنما أعانه بها على وجه الصلة له لا لهذا الوجه كانت المائة له، وفعل بالجارية ما شاء من بيع أو حبس، صحيح ولم يبين إذا لم يتبين الأمر في ذلك على ما هو محمول؟ والذي أراه في ذلك أنه إذا عجل بيعها من غير سبب لبيعه إياها فالأب يصدق فيما ادعاه من نيته مع يمينه على ذلك، ويسترجع مائته، والله الموفق.

.مسألة تحلف امرأته بالحرية لتفعلن شيئا:

قال: وسألته: عن الرجل تحلف امرأته بالحرية لتفعلن شيئا أو لا تفعل شيئا تذكره فتخاف حنثها ويريد أن يرد يمينها لكي لا يعتق عليها رقيقها لما جاوزت يمينها من ثلث مالها، فقلت متى ترى أن تشهد على رده عليها أحين تحلف أم حتى تحنث؟
قال: بل حتى تحنث، وذلك أن التي تقول كل شيء لها حر إن فعلت كذا وكذا فهي على بر ما لم تفعله، فما عليه إن سكت ما كانت على بر، والتي تقول إن أفعل كذا وكذا فكل شيء لها حر لعلها أن لا تحنث إلا بالموت ويكون حنثها كالوصية، فهذا لا يجوز له رد يمينها فيه إلا أن تكون قالت إن لم أفعل كذا وكذا إلى أجل كذا وكذا فكل شيء لها حر، فهذه لعلها أن تفعل الذي حلفت عليه قبل محل الأجل فتبر، ففي كل ذلك لا أرى عليه في سكوته شيئا حتى يجب الحنث، فإذا وجب الحنث لزمه الإنكار وجاز له أن يفعل فيبطل بذلك عتاقة رقيقها إن كانت قيمتهم أكثر من ثلث مالها.
قلت: أرأيت التي تقول إن لم أفعل كذا وكذا إلى أجل كذا وكذا فرقيقي أحرار فعجل الزوج برد يمينها، وقال: اشهدوا أنها إن حنثت فلا حرية لرقيقها، ثم حنثت عند الأجل فسكت الزوج اكتفاء بالشهادة الأولى أيجزيه ذلك أم لا؟ قال: إذا رد عليها قبل أن تحنث ثم حنثت فلم يرد عليها فذلك يجزيه ولا شيء عليها، وذلك أن الرد الأول يرد عليها عتقها ولا أرى عليه أن يرد عليها مرة أخرى.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة أبين وأكمل من التي تقدمت في رسم المكاتب فهي تبينها، وقد مضى الكلام على ما فيها من الزيادة على هذه، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يعطي الرجل من قرابته نصف عبده في مرض المعطى على أن يعتقه:

وسألته: عن الرجل يعطي الرجل من قرابته نصف عبده في مرض المعطَى على أن يعتقه.
فقال: إن أعطاه إياه على أن يوصي بعتق نصفه فأوصى له بذلك ومات الموصي عتق ذلك النصف ولم يدخل في ثلث الميت ولم يلحقه دين الميت، وذلك أنه إنما أعطيه على العتق شرطا ويرق النصف الباقي لسيده المعطي.
قال: وإن أعطاه إياه على أن يبتله في مرضه فقبل وبتله عتق ذلك النصف من غير ثلثه ولم يلحقه دين وعتق النصف الباقي عليه في ثلثه وقوم للسيد المعطَى فأُعطي قيمة النصف الباقي من ثلث الميت وعجل ذلك النصف الذي قوم في ثلث الميت، وإن كان عليه دين يحيط بماله لم يقوم عليه ذلك النصف، وعتق النصف الذي أعطَى.
قال: وإن أعطيه في صحته على أن يعتق ذلك النصف فقبل وأعتقه جاز عتق ذلك النصف عليه، وقوم عليه النصف الباقي فعتق العبد كله، فإن لم يكن له مال أعتق منه النصف الذي أعطي ويبلغ ماله من النصف الباقي وإن لم يكن له شيء البتة لم يعتق من العبد إلا النصف الذي أعطَى.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إنه إذا أعطى نصف العبد في المرض على أن يعتقه بتلا في مرضه أو على أن يوصي له بالعتق لا يدخل ذلك النصف في ثلثه إذا لم يملكه قبل أن يعتقه، لأنه إنما ملك إياه بشرط العتق.
فإن أعطيه على أن يوصيَ له بالعتاقة فأوصى له بها أعتق إن مات من مرضه قارعا من رأس ماله، وإن صح من مرضه كان له ملكا ولم يصح له الرجوع فيما أوصى به من عتقه إذ لم يملك إياه إلا بشرط الوصية له بالعتق، فهو يعتق متى مات من رأس ماله، فله حكم الوصية في أنه لا يعتق إلا بعد موت الموصَى الذي أعطي إياه، وله حكم المعتق إلى أجل، لأنه يعتقه بموته من رأس ماله.
فهذه المسألة من نوادر المسائل لأنه يعتق عليه ذلك النصف بعد موته من رأس ماله، وكذا لو وهب لرجل عبد على أن يوصى له بالعتق لكان هذا حكمه.
وأما إذا أعطاه نصف عبده على أن يبتل عتقه في مرضه فذلك النصف الذي بتل في مرضه على الشرط حر على كل حال، لا يلحقه دين على ما قال، وقال إنه يقوم عليه النصف الذي للمعطي في ثلثه، وفي ذلك اختلاف قيل إنه لا يقوم عليه في ثلثه إلا بعد الموت، وهو المنصوص عليه في المدونة، وقيل إنه يعجل تقويمه عليه في مرضه ولا يبتل له العتق حتى يموت، فإن مات من مرضه ذلك جعلت تلك القيمة في ثلثه، وإن صح عتق من رأس ماله، وسواء كان له مال مأمون أو لم يكن، وقد قيل إنما يكون هذا إذا لم يكن له مال مأمون، وأما إن كان له مال مأمون فيعجل تقويمه في مرضه، وتنفذ الحرية له، فهذه التفرقة قول ثالث في المسألة وفيها قول رابع، وهو أنه لا يقوم عليه حظ شريكه عاش أو مات، قاله ابن الماجشون، وبالله التوفيق.
تم الكتاب الثالث من العتق والحمد لله.

.كتاب العتق الرابع:

.مسألة يقول من يبشرني بغلام يولد لي فهو حر:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه كتاب العتق الرابع من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن الرجل يقول من يبشرني بغلام يولد لي فهو حر فيأتيه ثلاثة من عبيده في مرة قال أحب ما فيه أن يقرع بينهم ويخرج واحدا حرا، ثم رجع فقال يختار واحدا بعينه، فإن مات ولم يختر اختاره الورثة وعتق من رأس المال، قال ابن القاسم: وكل ما كان قبل هذا فهو باطل.
قال محمد بن رشد: قيل إنهم يعتقون كلهم قاله ابن القاسم في كتاب ابن المواز وهو قوله الذي تقدم له في رسم أول عبد ابتاعه فهو حر من سماع يحيى في الذي يقول أول عبد أملكه فهو حر فيشتري رقيقا في صفقة واحدة إنهم يعتقون جميعا، إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى، وهذا إذا جعلت من بمعنى الذي ورفعت يبشرني، فأما إن جعلت من للشرط وجزمت يبشرني فلا مخالف في أنهم يعتقون كلهم، لأن كل واحد قد بشره إذ جاءوا معا، ومن في الشرط تقتضي العموم.
وقوله على القول بأنه يختار أنه إن لم يختر حتى مات اختار الورثة وعتق من رأس المال هو على أحد أقواله في الذي يقول أحد عبيدي حر فلا يعلم بذلك إلا عند موته، وقد مضى تحصيل القول في ذلك في رسم باع شاة من سماع عيسى، ولو أراد أن يقرع بينهم على القول بأنه يختار كان ذلك له، ولو أراد أن يختار على القول بأنه يسهم بينهم لم يكن له ذلك، وبالله التوفيق.